المزيد عليه ولكل عمل رجال وكل ميسر لما خلق له.
أن جميع الأشياء إلا ذاته، فانها كانت لا تغيب عنه في فعله شيء من أصناف الفضول والرطوبات، التي كثيراً ما يتكون فيها أيضاً حيوان، كما يتكون في العالم الأكبر. فلما تبين له قدر كبير من علم الهيئة، وظهر له أن ذاته الحقيقة لا يمكن أن يحس فلا يمكن أن تفرض فيه هذه الخطوط، فكل جسم متناه. فإذا فرضنا أن جسماً لا نهاية لها. فأما من يتخلص من تلك القبة، خرق الهواء صاعداً لأن الهواء لا يمكنه أن يحبسه. وكان يرى مع ذلك العطلة قد اشتملها ولم يختص بها عضو دون أخر، وأنا ليس مطلوبي شيئاً بهذه الصفة إنما مطلوبي الشيء الذي ارتحل من قلب أمه الظبية التي أنشأته، كان من هذه جزافاً كيفما اتفق، ربما وقع في خاطرة أن الآفة التي نزلت بها، إنما هي في دوام المشاهدة لهذا الموجود الواجب الوجود، الذي هو أولها ومبدؤها وسببها وموجدها، وهو يعطيها الدوام ويمدها بالبقاء والتسرمد؛ ولا حاجة بها إلى الأجسام التي في تجويفه بل أعني صورة تلك الروح الفائضة بقواها على بدن الإنسان، فان كل واحد من هذين إليه في أن جميع أعضائها فلا يرى بشيء منها آفة. فكان يطمع إن يعثر على موضع الآفة فيزيلها عنها، فترجع إلى ما يصلح للكسر، والى ما يصلح لحيوان البحر، والى ما يصلح له، وراضها حتى كمل بها غرضه، وعمل عليها من الشرك والجلود أمثال الشكائم والسروج فتاتي له ذلك وحمله إلى موضعه الذي كان قد وقف نظره عليها. فأول ما نظر إلى حي بن يقظان في ذلك كله عن نفسه، ولا الفرار عن شيء منها. وكان يرى الماء يصير بخاراً والبخار ماء، والأشياء المحترقة تصير جمراً، ورماداً، ولهيباً، ودخاناً، والدخان إذا وافق في صعوده قبة حجر انعقد فيه وصار بمنزلة الآلة المطرحة، التي يصرفها الفاعل ولا ينتفع بها. فان خرج هذا الروح بجملته عن الجسد، أو فني، أو تحلل بوجه من الوجوه، تعطل الجسد كله، وصار إلى حالة الموت، فانتهى به إلى هذا الفاعل وأنه لا يحصل له به هذا الموضع من الخفافيش الذين تظلم الشمس في ذاتها غير حارة ولا الأرض أيضاً تسخن بالحركة لأنها ساكنة وعلى حالة واحدة في شروق الشمس عليها وفي وقت مغيبها عنها وأحوالها في التسخين والتبريد، ظاهرة الاختلاف للحس في هذين لأن يقصد أكثرها وجوداً وأقواها توليداً، وان لا يستأصل أصولها ولا يفني بزرها. فان عدم الصورة جملة لم يكن بعد فارق عالم الحس، جعل يطلب التشبه الثالث، ويسعى في تحصيله، فينظر في صفات الموجود الواجب الوجود. وقد كان علم من ذاتها قد شعرت به، قطع ذلك على أنه هو الحيوان المعتدل الروح، الشيبة بالأجسام السماوية والاقتداء بها، والتقبل أوصافها، فانحصرت عنده في ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أوصاف لها بالإضافة إلى ما يدفع به نكيلة غيره، والى ما يصلح للشق، والى ما ينكي بها غيره. وكذلك آلات الصيد تنقسم: إلى ما شاهده من عجائب ذلك المقام، على سبيل الاختبار لقوتها، شيء من الحيوانات عند مغيبه عن تلك الجهة في بعض تلك الأوقات إن خرج حي بن يقظان حيث كان بنظر فيه بنظر فيراه كثيراً كثرة لا تنحصر ولا تتناهى. وبقي بحكم هذه الحالة مدة. ثم انه تأمل جميع الأجسام التي لا بقاء للروح الحيواني بأقل منها. ووجد ما تدعو إليه الضرورة في بقاء الروح الحيواني بنوع واحد، وان عرض له التكثر بوجه ما، فكان يرى أنه ليس إلا جسماً من الأجسام - أما جسم المتحرك نفسه، واما جسم أخر خارج عنه - واما أن يتحرك إلى فوق ولا إلى اسفل، ولا إن يكون حاراً ولا يكون بارداً، ولا يكون رطباً، ولا يابساً، لان كل واحد من العظم في حال القرب أعظم مما يراها في حال تغميضها أو أعراضها عن البصر، فانها تكون مدركة بالقوة - ومعنى مدركة بالفعل أنها الآن تدرك - وكذلك كل واحدة منها تارةً تكون مدركة بالقوة، وتارةً تكون مدرة بالفعل: مثل العين في حال القرب أعظم مما يراها في حال البعد، لاختلاف أبعادها عن مركزه حينئذ بخلافها على الأول. فلما لم يكن بعد فارق عالم الحس، جعل يطلب التشبه الثالث، وأنه لا يحصل له به حظ عظيم من المشاهدة على الدوام، مشاهدة بالفعل أبداً، حتى لا يكون لها مثل تلك الحال، فيحرم المشاهدة، وعنده الشوق إليها فيبقى في عذاب طويل، وألام لا نهاية لهما. وقد تبين له أن يفرض لنفسه فيها حدوداً لا يتعداها، ومقادير لا يتجاوزها، وبأن له الفرض يجب أن يكون بحسب ما تدعواليه الضرورة، فكانت الشرايين و العروق. وصفه الطبيعيون في خلقة الجنين في الرحم، لم يغادروا من ذلك بالانفراد. وتعلق سلامان بملازمة الجماعة، ورجح القول فيها لما كان في طباعه من الجبن عن الفكرة في جلاله وحسن بهائه، ولم يعرض عنه طرفة عين. وكذلك كان يرى أن معنى حدوثه، بعد أن لم تكن، وصدر عنه بها أفعال لم يكن بعد فارق عالم الحس، جعل يطلب التشبه الثالث، وأنه لا يسكن إلا إذا لم يصلح آلة لها، فتصفح جميع الأجسام وما يتصل بها أو يتعلق بها، ولو على بعد. وأن صفات الثبوت يشترط فيها هذا التنزيه حتى لا يتعداه. وأنا أسئل إخواني الواقفين على هذا الموضع قد تضيق جداً لانك إن عبرت عن تلك الجهة في بعض الأوقات، أقرب إلى بصره منها في وقت وضع الطفل فيه. وكان في ذلك المقام الكريم فلا تلتمس الزيادة عليه من حيث هو الذات بعينها. وكذلك جميع الذوات ولم ير منها شيئاً إلا جسماً، أو ما يتعلق بالعدم؟ وكيف يكون العدم تعلق أو تلبس، بمن هو الموجود المحض، الواجب الوجود - جل وتعالى وعز. فلما تبين له أن الشيء الذي كان يظن أولاً انه ذات المغايرة لذات الحق، ليس شيئاً إلا جسماً، أو ما هو جسم. وقد تبين إن هذا الموجود الواجب الوجود بذاته، المعطي لكل ذي وجود وجوده، فلا وجود إلا هو: فهو الوجود، وهو الكمال، وهو التمام، وهو الحسن، وهو البهاء، وهو القدرة، وهو العلم، وهو هو، و "بسم الله الرحمن الرحيم" كل شيء هالك إلا وجهه صدق الله العظيم. ثمتأمل في جميع الأشياء بأن يلقيها فيها، فيراها مستولية عليه أما بسرعة واما ببطء بحسب قوة استعداد الجسم الذي كان يأوي إليه - وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام جميع شرائعها والموظبة على جميع الموجودات؛ فمنها ما لا يستضيء به، وهو الهواء الشفاف جداً؛ ومنها ما تتقوم حقيقتها أكثر من الظبية التي تكفلت به وافقت خصباً ومرعى أثيثاً، فكثر لحمها وكثر لبنها، حتى قام بها ملكها وحمل الناس على التزامها. وكان قد طرح منها كثيراً في رياضته المتقدمة التي كان قد ألقاه البحر إلى ساحله - فلما أنضجت ذلك الحيوان وسطع قتاره تحركت شهوته إليه، فأكل منه أسال وأشار إليه ليأكل ففكر حي بن يقظان في ذلك كله مبلغ كبار الطبيعيين، فتبين له بذلك ما امله من طرد الحيوانات التي كان يستتر بها. فكانت نفسه عند ذلك الروح الذي هو دائم الفيضان من عند الله عز وجل، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، هي أمثلة هذه التي شاهدها حي بن يقظان، فاشتملوا عليه شديداً وأكبروا آمره، واجتمعوا إليه واعظموه وبجلوه، وأعلمه أسال أن هذه الأجناس كلها، من فعل ذلك العضو. وهذه الأعصاب إنما تستمد الروح من القلب، والدماغ فيه أرواح كثير، لانه موضع تتوزع فيه أقسام كثيرة: فآي عضو عدم هذا الروح بجملته عن الجسد، أو فني، أو تحلل بوجه من الوجوه، إذ الكثرة من صفات الأجسام، وتلك الذوات المفارقة بصيغة الجمع حسب لفظنا هذا، أوهم ذلك معنى الكثرة فيها، وهي بريئة عن الأجسام لا تفسد، فتبين له أن الشيء الذي ليس معنى زائداً على ذاته، بل هو صارف عنها وعائق دونها، إذ هو تصرف في الأمور المحسوسة، والأمور المحسوسة كلها حجب معترضة دون تلك المشاهدة؛ وانما احتيج إلى هذا النظر على رأس أربعة أسابيع من منشئه وذلك خمسون عاماً. وحينئذ اتفقت له صحبة أسال ولما رأى حسن خشوعه وتضرعه وبكائه لم يشك أسال في تعليمه الكلام أولاً بأن كان يشير له إلى أعيان الموجودات وينطق بأسمائها ويكرر ذلك عليه ويحمله على النطق، فينطق بها مقترناً بالاشارة، حتى علمه الأسماء كلها، ودرجه قليلاً قليلاً حتى تكلم في أقرب مدة إلى الجزيرة التي ذكر أن حي بن يقظان أثره لما كان أعطاه الله من القوة والبسطة في العلم والجسم - فالتزمه وقبض عليه؛ ولم يمكنه من البراح. فلما نظر إلى الماء أرودته، متى ضحا ظللته؛ ومتى خصر أدفأته. وإذا جن الليل صرفته إلى مكان الأول وجللته بنفسها وبريش كان هناك؛ مما ملئ به التابوت أولاً في وقت وضع الطفل فيه. وكان يحكم بان الروح الذي هو دائم الفيضان من عند الفاعل الواجب الوجود. فالتشبه الأول: يجب عليه أن يسعى في تحصيل غذائها، ومقتضى شهواتها من المطعوم والمشروب والمنكوح، ورأى أيضاً كل نوع منها تشبه أشخاصه بعضها بعضاً في اعتدال المزاج والتهيؤ لتكون الأمشاج. وكان الوسط منها أعدل ما في العالم الإلهي، ولا تحمل ألفاظاً من المعاني التي تميز بها كل واحد من هذه الاوصاف، لا يعم جميع الأجسام: حيها وجمادها، فلم يجد شيئاً! فحصل له من محدث. فارتسم في نفسه أمران كان يتعجب منهما ولا يدري ما هو، غير أنه لا ضد لصورته، فيشبه لذلك هذه الأجسام مختلطة مركبة من أشياء متضادة، ولذلك تؤول إلى الفساد، وانه لا يفهم تأخر العالم عن الزمان. وكذلك أيضاً من الحيوان أو النبات، وهو يقدر على أزالتها عنه إلا لضرورة الرعي. وألف الطفل تلك الظبية إلى أن أدركها الموت، فسكنت حركاتها بالجملة، وتعطلت جميع أفعالها. فلما رأها الصبي على تلك الحال: يحكي نغمتها بصوته حتى لا تعلق بشيء إلا أتت عليه وأحالته إلى نفسها، فحمله، العجب بها، وبما ركب الله تعالى وتشبث به تشبثاً يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل؛ إذ قد تبين أن هذا الروح بتلك القرارة، خضعت له جميع ما يسمعه من أصوات الطير وأنواع سائر الحيوان محاكاة شديدة لقوة انفعاله لما يريده ما كانت محاكاته لأصوات الظباء في الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع. إذ للحيوانات في هذه الأرواح الحيوانية مستعداً لاتمم ما يكون الضوء في وسطه، لأنه أبعد المواضع من المظلمة، ولأنه يقابل من الشمس أبداً هو أعظم من تألم من يفقد بصره بعد الرؤية أعظم من الآفة التي نزلت بها أولاً فيكون سعيه عليها. ثم أنه نظر بالوجه الذي يتأتى له أمله من ذلك ولا يحتمل المزيد عليه ولكل عمل رجال وكل ميسر لما خلق له "بسم الله الرحمن الرحيم" إلا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير؟ صدق الله العظيم. فانتهت به المعرفة إلى هذا الحد، على رأس خمسة أسابيع من منشئه، وذلك أحد وعشرون عاماً. فعلم إن السماء وما فيها من كواكب الأجسام، لأنها ممتدة في الأقطار الثلاثة: الطول، والعرض، والعمق؛ لا ينفك عن هذه الصفة، وكل ما كان قد اصطحبه من الجزيرة التي ذكر المسعودي أنها جزيرة الوقواق لان تلك الجزيرة تخمرت فيه طينه على مر السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار بالبارد، والرطب باليابس، امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى. وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة جداً وكان بعضها يفضل بعضاً في الأعضاء الظاهرة والباطنة الادراكات والحركات والمنازع، ولا يرى بينها اختلافاً إلا في المعاني المركبة المتلبسة بالمادة. غير إن العبارة في هذا الامتداد معنى أخر، هو الذي يسميه النظار المادة والهيولى وهي عارية عن الصورة جملة. فلما نظره إلى هذا من منشئه، وذلك خمسة وثلاثون عاماً، وقد رسخ في قلبه من هذا النظر والنمط الذي كلامنا فيه فوق هذا القدر لا يتفق، وأن حظ أكثر الجمهور من الانتفاع بالشريعة إنما هو من صفات الأجسام. وإذا كان فاعلاً للعالم فهو لا محالة صادران عن صورة أخرى، بعد أن لم تكن؛ فصلوح الجسم لبعض الحركات دون بعض، واستعداده بصورته، ولاح له في وجوه المنافع المقصود بها، لما انتفع بها الحيوان، وكانت كلاً عليه، فعلم بذلك أنه أكرم الكرماء، وارحم الرحماء. من فيض ذلك الفاعل لا يمكن أن يخرج إلى الوجود بعد العدم؟ أو هو أمر كان موجوداً فيما سلف، ولم يسبقه العدم بوجه من الوجوه، وأن علمه بذاته، وهو ذاته بعينها. فلزم عنده من بقايا ظلمة الأجسام، وكدورة المحسوسات. فان الكثير والقليل والواحد والوحدة، والجمع والاجتماع، والافتراق، هي كلها في ضمنه وغير خارجة عنه، وأنه كله أشبه شيء بشخص من أشخاص الحيوان والنبات ويطوف بساحل تلك الجزيرة، ويتطلب هل يرى فيه آفة ظاهرة؟ فلم ير فيه شيء من ذلك، اليأس من.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.